ابن عربي

361

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

شهوتهم عليهم ، والعاقل ليس كذلك ، فإن العقل يأبى إلا الفضائل ، فإنه يقيد صاحبه عن التصرف فيما لا ينبغي ، ولهذا سمي عقلا من العقال ، وقوة العقل والدليل الواضح قاما للعقل على تصديق الرسول الذي بعثه إلينا في إخباره الذي يخبر به عن ربه بما يكون منه سبحانه

--> كما ورد في السنة من أنه فرض الخائف ركعة ، وهي مسألة خلاف بين الناس ، وقد يمكن أن يكون قوله : « فَاذْكُرُوا اللَّهَ » تحريض على شكره سبحانه كما علمنا كيف نؤدي هذه الصلاة في حال الخوف وفي حال الآمن وعلى كل حال ، ثم قال : ( 241 ) « وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ » الوجه عندي في تأويل هذه الآية أنه إخبار من اللّه بما كان الأمر عليه في زمان الجاهلية ، واستمرار ذلك في أول الإسلام ، من غير أن يرد من اللّه في ذلك حكم يرفعه ، ولا حكم يقره ، بل بقي الأمر على ما هو عليه من أن المرأة إذا مات عنها زوجها وهي في عصمته ، أنه كان يوصي لها بالنفقة والسكنى حولا كاملا ، ولم يكن لها ميراث ، فإن استعجلت المرأة الخروج قبل الحول سقطت نفقتها وسكناها ، ولم ينزل اللّه عليهم في حق من تركها تخرج ولا في حقهن إذا خرجن إثما ، بل كان الأولياء والمؤمنون يتركونهن ، وكانت النساء يزلن الإحداد ويتزين ويتعرضن للخطاب والتزويج ، ولا حرج في ذلك عليهم ، ولا عليهن من اللّه ، إلى أن نزلت آية الميراث والتربص أربعة أشهر وعشرا ، فلم يكن الحول ولا النفقة فيه ولا السكنى شرعا مقررا من عند اللّه ، ويؤيد هذا أنه لما نزلت عدة المتوفى أربعة أشهر وعشرا ، وظهر من الناس في ذلك ما ظهر من أنه يشق على النساء ، قال عليه السلام : [ قد كانت إحداكن في الجاهلية تقعد حولا في شر ثيابها ] الحديث - ولم يقل عليه السلام فيه إن ذلك كان شرعا من عند اللّه ، وقاله منكرا عليهن ، وأن الذي نزل عليه في ذلك أخف مما كان الأمر عليه ، وهن يضقن به ذرعا ، فإذا كانت هذه الآية إخبارا من اللّه تعالى بما كان الأمر عليه ، فلا يكون ما نزل من الحكم في ذلك بالأربعة أشهر والعشر الليالي وآية الميراث ناسخا لهذا الخبر ، لأن الخبر لا ينسخ ، وإنما الحكم الذي وقع الخبر عنه ارتفع بما نزل في ذلك ، والذي ذهب إليه المفسرون أن هذه الآية خرجت مخرج الحكم من اللّه في أول الإسلام ، ثم نسخها ما ذكرنا ، وهو بعيد للإنكار الوارد من النبي عليه السلام الذي ذكرناه ، وقوله هنا : « وَاللَّهُ عَزِيزٌ » أي غالب بما قهرهم من الموت ، منيع الحمى أن يحال بينه وبين ما يريد ، فإن اللّه توفاهم ، وقوله : « حَكِيمٌ » أي عليم بالوقت الذي أنزل فيه رفع هذه المشقة ، فإن الحكيم هو الذي لا يتعدى بالأشياء ميقاتها ، لعلمه بذلك ولا نعلمه نحن ، ثم قال : ( 242 ) « وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ »